الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

120

مناهل العرفان في علوم القرآن

في أعناقهم ، ونقول لهم : إن مصلحة العباد التي هي مقصود الشارع الحكيم الرحيم ، تقضى أن يكون تكليفه إياهم على حالة تدعو إلى امتثالهم ، وذلك بأن يتدرج بهم ، فيمهد ويمهد للتكليف الخفيف بتكليف أخف منه ، ويمهد للتكليف الثقيل بتكليف خفيف ، وللتكليف الأثقل بتكليف ثقيل ، لأن الناس لو بوغتوا من أول الأمر بالثقيل مثلا لعجزوا ونفروا وانعكس المقصود من هدايتهم . ولذلك نشاهد حكماء المربين ، وساسة الأمم القادرين يبتدئون في تربيتهم وسياستهم بأيسر الأمور ، ثم بعد ذلك يتدرجون ولا يطفرون . ( ثالثا ) أن دليلهم هذا منقوض بما لا يسعهم إنكاره ، وهو تكليف اللّه عباده ابتداء ونقلهم من الإباحة المطلقة أو البراءة الأصلية إلى مشقة التكاليف المتنوعة . فما يكون جوابا لهم عن هذه يكون جوابا لنا عما منعوه هنا . ( رابعا ) أنهم متناقضون ، فإن مصلحة العباد التي جعلوها مناط شبهتهم تأبى مفاجأة الناس بالأشد من غير تمهيد بالأخف ، ومذهبهم لا يأبى التكليف من أول الأمر بالأشد دون تمهيد بالأخف ! . ( خامسا ) أننا لا نسلم أن مقصود الشارع من التكاليف هو مجرد مصالح الناس ، بل تارة يكون المقصد هو المصلحة ، وتارة يكون المقصد هو الابتلاء والاختبار ، ليميز اللّه الخبيث من الطيب ، حتى لا يكون لأحد بعد تمايز الناس بابتلائه حجة . وقد أعلن اللّه هذا المقصد الثاني في آيات كثيرة ، منها قوله سبحانه : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ . ومنها قوله عز اسمه : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ . ومنها قوله جلت حكمته الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . وإذن فنسخ الحكم بأشد قد يكون ابتلاء للعباد ، إن لم يكن مصلحة لهم . وتلك حكمة بالغة تلغى عن اللّه العبث .